سيد قطب
2002
في ظلال القرآن
الصديق ، إلا حين نعود القهقرى بضع سنين ، لنجد يوسف يوصي ساقي الملك - وهو يظن أنه ناج - أن يذكره عند ربه . . إن الإيمان هو الإيمان ، ولكن هذه هي الطمأنينة . الطمأنينة التي تنسكب في القلب وهو يلابس قدر اللّه في جريانه . . وهو يرى كيف يتحقق هذا القدر أمام عينيه فعلا . . الطمأنينة التي كان يطلبها جده إبراهيم عليه السلام ، وهو يقول لربه : « رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى » فيسأله ربه - وربه يعلم : - « أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ؟ » فيقول - وربه يعلم حقيقة ما يشعر وما يقول - « بلى ! ولكن ليطمئن قلبي » . . إنها هي هي الطمأنينة التي تسكبها التربية الربانية في قلوب الصفوة المختارة ، بالابتلاء والمعاناة ، والرؤية والمشاهدة ، والمعرفة والتذوق . . ثم الثقة والسكينة . . وهذه هي الظاهرة الواضحة في كل مواقف يوسف من بعد ، حتى يكون الموقف الأخير في نجائه مع ربه ، منخلعا من كل شيء تهفو له النفوس في هذه الأرض : « رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ . فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ » . أما التعقيبات التي ترد في نهاية القصة ، والتعقيبات العامة في السورة ، فقد تحدثنا عنها إجمالا عند تقديم السورة في الجزء الثاني عشر « 1 » . وسوف نواجهها بالتفصيل في مواضعها من السياق إن شاء اللّه . . إنما أردنا فقط أن نبرز تلك الظاهرة الجديدة في الشخصية الرئيسية في القصة . ذلك أنها الظاهرة الأساسية التي تتكامل بها صورة الشخصية ؛ كما أنها هي الظاهرة الأساسية التي يحتفل بها سياق القصة وسياق السورة من الناحية الحركية التربوية للمنهج القرآني . . والآن سنواجه النصوص تفصيلا : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 53 إلى 79 ] وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 53 ) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 57 ) وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 58 ) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 59 ) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ( 60 )
--> ( 1 ) تراجع ص 1951 - 1963 من الجزء الثاني عشر .